عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
238
اللباب في علوم الكتاب
والثّاني : أنّه منصوب على الاشتغال ، ومنعهم ذلك بأنّه يلزم أن يعمل فيه ما قبله جوابه أنّا نقدّر الفعل بعده لا قبله « 1 » ، وهذا خلاف مشهور في أسماء الشّرط والاستفهام ، هل يجري فيها الاشتغال أم لا ؟ . فمنعه قوم لما تقدّم وأجازه آخرون مقدّرين الفعل بعد الشّرط والاستفهام . وكونه منصوبا على الاشتغال هو ظاهر كلام مكّيّ ، فإنّه ذكر ذلك في قوله : وَالَّذانِ يَأْتِيانِها مِنْكُمْ فَآذُوهُما [ النساء : 16 ] فالآيتان من واد واحد ولا بدّ من إيراد نصّه ليتّضح لك قوله ؛ قال - رحمه اللّه - : وَالَّذانِ يَأْتِيانِها الاختيار عند سيبويه في « اللذان » الرفع ، وإن كان معنى الكلام الأمر ؛ لأنّه لمّا وصل بالفعل تمكّن معنى الشّرط فيه ، إذ لا يقع على شيء بعينه ، فلمّا تمكّن معنى الشّرط والإبهام جرى مجرى الشّرط في كونه لم يعمل فيه ما قبله ، كما لا يعمل في الشّرط ما قبله من مضمر أو مظهر ، ثم قال : « والنّصب جائز على إضمار فعل ؛ لأنّه إنّما أشبه الشّرط ، وليس الشبيه بالشيء كالشئ في حكمه » انتهى . وليس لقائل أن يقول : مراده النّصب « 2 » بإضمار فعل « 3 » النّصب على الاشتغال ، بل بفعل مدلول عليه كما تقدّم نقله عن بعضهم ، لأنه لم يكن لتعليله بقوله : « لأنه إنما أشبه الشرط إلى آخره » فائدة ، إذ النصب كذلك لا يحتاج إلى هذا الاعتذار . فصل [ في أن الفاحشة تعني الزنا ] فصل قال القرطبيّ « 4 » : الفاحشة في هذا الموضع الزنا ، فالمراد بالفاحشة : الفعلة القبيحة وهي مصدر كالعاقبة والعافية ، وقرأ « 5 » ابن مسعود « بالفاحشة » بباء الجرّ وقوله : « مِنْ نِسائِكُمْ » في محلّ النّصب على الحال من الفاعل في « يأتين » ، فهو يتعلق بمحذوف أي : يأتين كائنات من نسائكم . وأما قوله : « منكم » ففيه وجهان : أحدهما : أن يتعلّق بقوله : « فَاسْتَشْهِدُوا » . والثاني : أن يتعلّق بمحذوف على أنّه صفة ل « أربعة » فيكون في محل نصب تقديره : فاستشهدوا عليهنّ أربعة كائنة منكم . فصل [ في معنى إيتاء الفاحشة ] فصل معنى يأتين الفاحشة أي يفعلنها يقال « 6 » : أتيت أمرا قبيحا ، أي : فعلته قال تعالى : لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيًّا [ مريم : 27 ] وقوله تعالى : لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدًّا [ مريم : 89 ]
--> ( 1 ) في ب : قبله لا بعده . ( 2 ) في أ : بالنصب . ( 3 ) في أ : قول . ( 4 ) ينظر : تفسير القرطبي 5 / 55 . ( 5 ) انظر : المحرر الوجيز 2 / 21 ، والبحر المحيط 3 / 205 . ( 6 ) ينظر : تفسير الرازي 9 / 186 .